ان للصلاه طعم اخر لا يزوقه الا من خشع فيها واخلص نيته الي الله
يسعى الكثيرون للوصول إلى درجةٍ عاليةٍ من الخشوع أثناء الصّلاة، إذ لكثرة الملهيّات الدّنيويّة أصبح التدبر في قراءة القران وخلال أداء أركان الصلاة الأخرى صعباً، إلّا أنه وبالرغم من ذلك، طريقه أسهل ممّا يتخيّل البعض؛ فباستحضار المسلم لعظمة الله واستشعاره لوقوفه بين يدي الله عز وجلّ، يكون قد بدأ بأولى مراحل الخشوع، ثم يكمل بالتدبّر في كلّ ركنٍ من أركان الصلاة نفسها؛ كالوضوء، والسجود، والركوع. ولكي نستطيع تنفيذ الخطوات بفعاليّة، علينا التعمّق أكثر في الغاية الحقيقية من الصلاة والتعمق أكثر في تفاصيلها كالتّشهّد والتّحيات على سبيل المثال. ماذا سنتعلم من هذا الكتاب؟ فهم المغزى الحقيقيّ من الوضوء ودعاء الاستفتاح وغيرها من الأمور الواجبة قبل الصّلاة. لماذا الصّلاة من أحبّ العبادات إلى الله؟ تفاصيل السّجود والرّكوع وتدبّر معانيهم والغاية منهم. قصص الصّالحين مع الصّلاة.
ورد عن النّبيّ -ﷺ- قوله: "وجعلت قرّة عيني في الصّلاة."ومن هذا القول يدرك المرء أهميّة الصّلاة، فقد جعلها النّبيّ قرّة عينه دونًا عن غيرها من العبادات، فالغاية من الصّلاة هي الإقبال على الله، ولذلك فهي أحبّ العبادات إلى النّبيّ -ﷺ- والصّحابة والصّالحين من قبل. تنفع الصّلاة الإنسان في جميع الجوانب بما في ذلك الجانب النّفسيّ، فيلجأ إلى الصّلاة من يعاني مشاكلًا دنيويّةً أو في نفسه ضيقٌ وكدر؛ فترتاح نفسه من ضيقتها، لكنّ السّرّ في الخشوع؛ وهو ما لا يمكن أن يصل الإنسان إليه وفي فكره شيءٌ من الدّنيا. لهذا؛ على جميع المقبلين على الصّلاة، إخلاص نيّة الصّلاة لله وحده، وأن يتركوا شؤون الدّنيا قبل الإقبال عليها حتى يصلوا لدرجة الخشوع العميقة. وتأكّد أيّها المسلم أنّ الخشوع هو أوّل طريق الاستقامة، فهو الّذي يدلّك على الطّريق الصّحيح، ويبعد عنك حبّ الشّهوات والملهيات، فالصّلاة هي الّتي تغلق باب المعاصي في حال الالتزام بها؛ حيث إنّ في خشوع القلب استقامة النّفس.
أمرنا الله بالالتزام بعدّة أمورٍ قبل الصّلاة؛ ليحضّر الإنسان نفسه لها؛ منها الوضوء الّذي يضمن للمرء طهارته على الصّعيدين؛ الجسديّ وهو الجانب الظّاهر من الوضوء، و القلبيّ الّذي يضمن طهارة القلب من الذّنوب والمعاصي؛ ففي كلّ مرّةٍ ينتهي بها الإنسان من الوضوء يقول: "أشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللّهمّ اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهّرين، سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أنّ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك." عندما يذكر الإنسان هذا الدّعاء، فإنه يبدأ بالتّشهّد فيتطهّر من الشّرك بالله، ثمّ يتوب إلى الله من الذّنوب فيتطهّر منها. ومن الأمور الّتي تحضّر النّفس للصّلاة أيضاً هي الذّهاب للمساجد، حيث أنّ المشي إلى المسجد له ثوابٌ عظيمٌ، كما إنّ استقبال القبلة له فضلٌ كبيرٌ في تحضير المسلم للصّلاة، فهو الآن بين يديّ الله ويتّجه بصلاته نحو بيت الله، ينظر للقبلة ولا يتشتّت نظره إلى غيرها، فيأخذ هيئة المستسلم إلى ربه. أمرنا الله بالبدء بالتّكبير قبل الصّلاة، إذ إنه بذلك يذكّر نفسه بأنّ الله أكبر من كلّ شيءٍ في الدّنيا؛ من الأساسيّات والملهيّات، فيساعد في تهيئة الإنسان للصّلاة ويزيد من الخشوع، فضلًا عن قراءة دعاء الاستفتاح الّذي يساعدك في إخلاص النّيّة لله وحده، فتحمد الله وتعظّمه تعظيمًا يليق بمقامه -جلّ وعلا-.
افتتح الله -عزّ وجلّ- كتابه بسورة الفاتحة؛ وهي أوّل سورةٍ يقرأها المسلم في صلاته. ولكي تتمّ الصلاة؛ على المسلم أن يقرأها في كل ركعة وباستشعارٍ لكل كلمةٍ فيها لكي يصل المصلّي إلى الخشوع المرجوّ. يبدأ المسلم تلاوة السورة بقوله: "بسم اللّه الرّحمٰن الرّحيم"، وحينها على المصلّي أن يتأمّل نقطةً مهمّةً؛ وهي أنّ الله يردّ عليه بعد كلّ آيةٍ يقرأها، فحين يكمل المصلّي التلاوة قائلاً: "الحمد للّه ربّ العالمين"، يقول الله -عزّ وجلّ- "حمدني عبدي"، ويجدر بالذكر أنّ المصلّي عندما يثني على الله ويحمده على نعمه، فهو بذلك قد نال خيراً أكبر من الشكر وحده، إذ أنّ الحمد أعمّ من الشّكر؛ لأنه يعني الثّناء. وحين يقول المصلّي:"الرّحمٰن الرّحيم"، يقول الله "أثنى عليّ عبدي"، وهنا يصف المصلّي كمال خالقه بذكره لأعظم صفاته ونعمه؛ الرحمة. وحين يقول: "مالك يوم الدّين"، يردّ الله بـ"مجّدني عبدي"، والمالك هو الّذي يحتاج إليه الجميع، ولا يحتاج أحدًا، فيدعوك الله لتدبّر يوم القيامة في هذه الآية. ثمّ تصل إلى آية: "إيّاك نعبد وإيّاك نستعين" فيقول الله: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"، وإذا أتمّ المسلم قراءة السورة حتى "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال الله: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، وبذلك فإنّ المسلم يجدّد مفهوم العبادة لله وحده ويؤكد صفاته ويستعين بالله دون غيره في كلّ صلاة. ثمّ يقول المسلم: "اهدنا الصّراط المستقيم"، فيردّ الله "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"؛ بهذه الآية يعبّر المؤمن عن حاجته للهداية وعطشه للاستقامة، فالصّراط المستقيم هنا يعني الاستقامة في الأعمال والإحسان، يلي ذلك الفئات الثّلاث؛ وهم الّذين أنعم الله عليهم بالهداية، وغير المغضوب عليهم؛ وهم الّذين علموا بالهداية وما اتّبعوها، والضّالين؛ وهم الرّافضين للهداية أصلًا. فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون من الفئة الأولى.
قد غيّر الإسلام في العرب كثيرًا؛ فكان العرب قبل الإسلام يرفضون الرّكوع لأيّ أحدٍ، وذلك لما في الرّكوع من تذلّلٍ للعباد، ولكنّ الأمر يختلف تمامًا عندما يكون الرّكوع للمعبود. فتعظيمًا لجلال الله وعظيم سلطانه؛ لم يرفض العرب الرّكوع؛ حيث يعلمون أنّهم بيد الخالق الواحد الأعظم. فقبل أن يقوم المسلم بالرّكوع يقول "الله أكبر"، فيذكّر نفسه أنّه بين يديّ الله، فيخضع بجسده له، وينحني احترامًا وإجلالاً. يمحو الرّكوع جميع أنواع الكبر في نفس الإنسان، ويجعل التّعظيم لله وحده، وهذا من شأنه أن يغيّر في شخصيّة المتكبّر، فيلغي هذه الصّفة المكروهة فيه. ولاستحضار عظمة الرّكوع؛ على المسلم حفظ أذكار الرّكوع الّتي تساعد في استحضار عظمة الخالق؛ كأن يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة."، أو "اللّهمّ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظمي، وعصبي"، ثمّ بعد الدّعاء يستوي المسلم ويستقيم في وقفته، ويقول: "سمع الله لمن حمده"، وإنّ لهذه الجملة قدرٌ كبيرٌ من الأهميّة؛ حيث أنّها تعطي المصلّي البشرى باستجابة دعائه.
في يوم القيامة، يقول النّبيّ "أمّتي أمّتي"، بينما الجميع منشغلون بأنفسهم، ويعرف النّبيّ أمّته من بياض وجوههم نتيجةً للسّجود، وكلّما كثر سجود الإنسان زاد بياض وجهه. في السّجود ينحني المرء لربه ليعظّمه أكثر وأكثر، فيشعر بالتواضع والتّذلّل لله وبالتالي يزيد هدًى. فضلًا عن التّقرّب منه؛ حيث إنّ الإنسان يكون أقرب إلى الله في السّجود أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وكلّما طال السّجود؛ كلّما أعطى ذلك إحساسًا بالطّمأنينة. إنّ السّجود هو أفضل الأوقات للدّعاء، فيمكن للمسلم أن يدعو ربه دعوة الملهوف في وقت السّجود، كما أنّ إحساسه بثقل معاصيه عند السّجود يزداد، وكأنّها فوق رأسه؛ ممّا يجعله يعيد التّفكير في أفعاله وذنوبه فيتوب لربه. عدا عن أنّ ذلك يزيد من عزّ الإنسان لنفسه، فهو يعلم بأنّه لا يسجد إلّا لله، ولا يذل نفسه إلّا لله، فيثبت لشيطانه بأنّه عبدٌ قويّ الإيمان، فقد خرّ ساجدًا لربّه على الرّغم من جميع محاولات شيطانه لمنعه عن ذلك. ورد عن النّبيّ أنّه كان يذكر عدّة أذكارٍ أثناء سجوده؛ كأن يقول: "سبحان ربي الأعلى."، "اللهمّ اغفر لي ذنبي كلّه دقّه، وجلّه، وأوّله وآخره وعلانيته وسرّه."، أو أن يقول: "اللّهمّ لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للّذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين.".
من الصّالحين من صلّى حتى نسي نفسه من الخشوع، فهناك الكثير من الأمثلة على هذا؛ فقد قيل عن ابن الزبير أنّه كان من شدّة الخشوع يقف كالشجرة حتى تظنّه العصافير جمادً، فتحطّ على ظهره. وقد سرق رداء يعقوب الحضرمي أثناء صلاته وردّ إليه ولم يشعر. وقيل عن علي بن الحسين أنّ نارًا شبّت في بيته وهو ساجدٌ ولم ينتبه لها، فقال "ألهتني عنها نارٌ أخرى". لا شكّ أنّ من يعي فكرة أنّه قد جلس بين يديّ الله في الصّلاة سيدرك أنّ الأمور الدّنيويّة زائلةٌ، وأنّ الخوف منها لهو تبذيرٌ في المشاعر، فقد ذكر عن الحسن بن عمرو الفزاري أنّه بينما كان يصلّي في إحدى المرّات سمع هو ومن معه صوت أسدٍ، ففرّوا جميعًا إلّا هو، فقد كان منشغلًا في خوفه من الله على خوفه من الأسد. وقيل عن محمد بن نصر المزوري أنّه كان عندما يسجد في صلاته، كانت تحطّ عليه الدّبابير، وما كان يلتفت لها أبدًا.
"ليست الصّلاة إذن حركاتاً تستغرق ساعةً من اليوم أو بضع ساعةٍٍ ثمّ ينقضي الأمر وتغور معاني الصّلاة في أعماق النّسيان، لكنّها باختصارٍ حركةٌ تصحيحيّةٌ وثورةٌ تغييريّةٌ تستهدف تعديل مسارك في الحياة وتعديل وجهتك، وتعيد صياغتك الجديدة على عين الله.".
لا يستطيع المرء أن يرجع بالزّمن للوراء، ليعيد الوقت والأيام الّتي صلّى بها صلاةً لا تليق بعظمة الله -جلّ وعلا-، لهذا؛ فلتكن هذه دعوةً للبدء بالصّلاة مباشرةً، فلا شيء من الأمور الدّنيويّة ينفع؛ لا مال ولا جاه يبقى، فكلّه زائلٌ. وإنّ الغاية من الصّلاة هي التّقرّب إلى الله، وذلك لا يكون ممكنًا دون الخشوع في الصّلاة. وإن رغب المسلم بالخشوع؛ فعليه بتدبّر آيات ربه، وتدبّر تفاصيل صلاته، والتّوجّه نحو قبلته متى ما نادى المؤذّن للصّلاة، وليذكر المسلم أنّه بين يديّ ربه، وأنّها فرصةٌ تأتيه يوميًّا ليمجّد ويعظّم الله الّذي وهبه النعم التي لا تعدّ ولا تحصى.